الأول من آب 2006، اجتمع مساءً ما يفوق التسعين شخصاً في منزل مختار الجمالية حسين قاسم جمال الدين، من سكان القرية ومن النازحين. الطيران الإسرائيلي يحوم منذ بعض الوقت فوق القرية الوادعة. استشفّ البعض ممن خبروا جبهة المقاومة الوطنية ما سيحدث. إنهم يحضّرون لإنزال، فقد تواترت بعض المعلومات عن جود الأسيرين في مستشفى دار الحكمة في بعلبك. خرج بعض الشبان لحماية القرية بما يملكون من أسلحة خفيفة وكان من ضمنهم مكسيم ذو الـ18 عاماً، ابن المختار الوحيد.
الـ24 من آذار 2026، اليوم الـ24 للعدوان الإسرائيلي على لبنان، الغارات الوحشية لا تتوقّف. الضاحية الجنوبية لبيروت شبه فارغة، والجنوب كذلك، لا أثر للحياة تقريباً في هاتين المنطقتين بعد نزوح السكان. في النبطية مثلاً، لم يبق إلا المسعفون ومن ضمنهم جود ذو الـ16 ربيعاً، الابن الوحيد لرئيس المسعفين.
مكسيم، أو علي كما تناديه والدته ـــــ ولاسمه قصة أخرى ـــــ رفض الإنصات لوالدته بالبقاء في المنزل، وقال لها: «لا تخافي، فلا داعيَ للخوف من إسرائيل» وخرج. جود، رفض البقاء مع والدته، وبقي مع فريق المسعفين في النبطية. هناك مقطع فيديو انتشر له حيث يسأله أحدهم ألَا تخاف من إسرائيل؟ فيجيب بكل هدوء وثقة بالنفس: «كلا».
عودة إلى منتصف ليل الأول من آب أو فجر الثاني منه، استهدفت المقاتلات الإسرائيلية الشباب المجتمعين تحت شجرة الجوز، أيقن المختار الحدث الجلل، استشهد مكسيم، عمّه وابن عمّه وعدد من أقاربهم، لم ينهر المختار، بل واصل القيام بواجباته في حماية وتحذير أهل القرية على أكمل وجه، وإن كان بينه وبين نفسه في عالم آخر، وكذا زوجته، «المختارة» كما ينادونها، إلى يومنا هذا لم أشاهدهما يبكيان مرة وإن كنت واثقاً أنهما عندما يختليان بنفسيهما لا يتوقّفان عن التفكير بمكسيم.
أمّا في الـ24 من آذار، فيقف رئيس المسعفين في إسعاف النبطية، يتحدّث إلى إحدى القنوات الفرنسية عن عملهم والمخاطر التي يواجهونها، فالغارات لا توفّر أحداً، حتى المسعفين، ويقول: «بس بدو يضرب بيضرب»، في هذه اللحظة دوّت الغارة قريباً من مكان المقابلة، يهرع إلى مكان الاستهداف والكاميرا تلاحقه، ليكتشف أن المُستهدف جود، ابنه، ومعه زميله في الإسعاف. لم ينهر، ولا يزال يواصل عمله في الإسعاف، وكذا والدة جود، رغم الألم إلا أنها ما زالت صابرة، واثقة في خيار وحيدها.
كانت أحلام مكسيم كبيرة، كان يحلم بأن يكون طياراً، يجوب العالم بطائرته إلى أقاصي الأرض، ثم يعود إلى قريته، إلى أبيه وأمّه ليخبرهما بما رآه وبالتجارب التي خاضها. كان بإمكانه البقاء في المنزل، فهو يعرف أن بنادق الصيد لن تمنع إنزالاً. لكنه اختار تجربة أخرى، لعلمه أن لا أحلام ستتحقّق فيما لو فشل في هذه التجربة مهما غلت التضحيات، فإن لم يستطع هو أن يحقّق حلمه، فحتماً سيمهّد الطريق ليحقّقه غيره. لعل روحه الآن في مكان غير هذا العالم المَقيت، تطوف الأرجاء، تطير حاملة بذور أمل في عالم أفضل.
إلى جود مجدّداً، كان عمره 14 عاماً عندما عمل مع إسعاف النبطية لأول مرة خلال عدوان الـ 2024، كان حلمه أن يصبح مُسعِفاً يساعد الناس. مشاركته في مساعدة الصامدين في أرضهم أيقظت وعيه مبكراً، فأعاد الكرة مجدّداً وبقي في النبطية. لم يكن خائفاً، ولم يهب العدوان، وكان مُدرِكاً للعواقب، ومع ذلك لم يتراجع وبقي إلى آخر لحظة مُسعِفاً كما أراد. أراه في مكان آخر يُسعِف الأرواح المكسورة فهو لم ولن يفقد الأمل.
عشرون عاماً بين مكسيم وجود، اثنان من أقاربي كانا في مقتبل العمر، أحلامهما كانت كبيرة، ولكنّ وعيهما كان أكبر واختارا مصيرهما عن وعي وإدراك. الجميل في الأمر، سنكبر نحن، وهم سيبقون كما هم صغاراً في العمر، يُشعِلون فينا جذوة غدٍ أفضل، وكم من مكسيم وجود في هذه الأرض.
حسام زين الدين
قضايا و آراء – جريدة الأخبار
09/05/2026
